السيدة هاجر.. الأم التي خلد الله ذكرها
خلّد التاريخ ذكرى عددٍ كبيرٍ من الأمهات، واحتفظت الكتب بسِيَرِهِن، ورفعت شأنهن فوق عامة النساء، منهن أمهات الأنبياء، وعلى رأسهن السيدة مريم عليها السلام، وأمهات المؤمنين وعلى رأسهن السيدة خديجة والسيدة عائشة رضي الله عنهما، وكذلك فاطمة الزهراء بنت رسول الله ﷺ، وعدد كبير من الصحابيات الجليلات وأمهات العلماء والمصلحين على مدار التاريخ.
لقد سُجِّلت قصص هؤلاء في الكتب، ندرسها ونتأملها ونستلهم منها، غير أن هناك امرأة واحدة، خلد الله عز وجل ذكرها بطريقة فريدة لا مثيل لها، فجعل قصتها جزءًا من عبادة من أعظم العبادات، بل ركنًا من أركان الإسلام، وهي السيدة هاجر، زوجة نبي الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وأم نبي الله إسماعيل عليه السلام.
أم الأنبياء والعرب المستعربة
السيدة هاجر لم تكن أمًا لإسماعيل فقط، بل هي أم لكل العرب المستعربة، وهم ذرية إسماعيل عليه السلام. وقد ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه في حديث البخاري ومسلم: أن النبي ﷺ ذكر قصة إهداء فرعون لها إلى إبراهيم عليه السلام، وقال أبو هريرة: "فتلك أمكم يا بني ماء السماء".
وقد فسّر العلماء "ماء السماء" بعدة تفسيرات، منهم من قال إنه ماء زمزم الذي جاء بأمر من الله عبر جبريل عليه السلام، ومنهم من قال إن المقصود أن العرب قوم يعتمدون على ماء السماء في حياتهم، ولكن الجميع متفقون أن المقصود "بني ماء السماء" هم العرب، وأن السيدة هاجر هي أم العرب.
قصة خُلدت في أركان الحج
لم تُخلَّد قصة السيدة هاجر في الكتب فقط، بل أصبحت جزءًا من عبادة عظيمة، وهي عبادة الحج والعمرة. فالسعي بين الصفا والمروة، وهو ركن من أركان الحج، إنما هو اقتداء بسعيها رضي الله عنها وهي تبحث عن الماء لطفلها الرضيع، إسماعيل، في وادٍ مقفر لا زرع فيه ولا ماء. بل حتى شرب ماء زمزم بعد الطواف من السنن المرتبطة بقصتها.
بل إن نشأة مكة المكرمة، أحب البقاع إلى الله ورسوله ﷺ، ارتبطت بها أيضًا؛ فهي التي أقامت هناك بجوار بئر زمزم، واستضافت قبيلة جرهم، وكان لها الفضل في تأسيس نواة المجتمع الذي ستنشأ فيه الكعبة لاحقًا على يد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام.
اليقين العظيم
لكن السؤال: لماذا هذا التخليد العجيب لقصة السيدة هاجر؟ أهو لسعيها بحثًا عن الماء؟! لا، فكل أم كانت لتفعل مثلها في ذلك الموقف. إنما خُلدت قصتها ليَقِينها العظيم بالله.
حين تركها إبراهيم عليه السلام في صحراء لا زرع فيها ولا بشر، قالت له: "آلله أمرك بهذا؟" قال: "نعم"، فقالت: "إذًا لا يُضَيِّعُنا".
يا لها من كلمات قليلة، لكنها خرجت من قلب مؤمن مطمئن، امتلأ ثقة ويقينًا في وعد الله عز وجل. لم تكن تعرف كيف سيكون الفرج، لكنها كانت على يقين أن الله لن يتركها.
السعي... مع اليقين
نعم، بذلت الأسباب، سعت بين الصفا والمروة سبعًا، تبحث عن الماء، ولكن ذلك لم يكن تناقضًا مع يقينها، بل كان تطبيقًا عمليًّا للتوكل الحقيقي: العمل مع الثقة في الله.
فجاء الفرج، وأرسل الله عز وجل جبريل، فضرب الأرض بجناحه، فنبعت زمزم، البئر التي ستبقى خالدة إلى يوم القيامة.
مكانة مصر وأهلها
ومن فضل السيدة هاجر، أن رسول الله ﷺ أوصى بأهل مصر بسببها. ففي صحيح مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:
"إنكم ستفتحون مصر، وهي أرض يسمى فيها القيراط، فإذا فتحتموها، فأحسنوا إلى أهلها، فإن لهم ذمةً ورحمًا".
الرحم هي السيدة هاجر، المصرية الكريمة، صاحبة اليقين الراسخ.
خاتمة
شرف لمصر أن تكون السيدة هاجر منها، وشرف للمسلمين أن يتعلموا من يقينها.

0 تعليقات