العجلة في ميزان العقيدة: سلوك مغروس واختبار إيماني
وضوعً ليوم عقائديًا بالغ الخطورة. قد يظن البعض أن الحديث فيه مجرد نقاش عن الأخلاق الحميدة أو التنمية البشرية، لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير، فهي مسألة إيمان واعتقاد جازم بصفات الله عز وجل.
أحيانًا، سلوكياتنا اليومية تعكس نقصًا في هذا الاعتقاد، بل وتتناقض مع اليقين الذي ينبغي أن نتحلى به تجاه صفات الله سبحانه.
كيف يختبرنا الله فيما فطرنا عليه؟
الله عز وجل فطر الإنسان على أمور معينة، ثم جاء في الشريعة ليأمرنا بخلافها، لا تعارضًا بل اختبارًا.
مثلًا، زرع الله في الإنسان الشح:
﴿وكان الإنسان قتورًا﴾
﴿وتحبون المال حبًّا جمًّا﴾
رغم هذا الحب الفطري للمال، أمرنا الله بالإنفاق، بالزكاة، بالصدقة، ببر الوالدين، بصلة الرحم، والإحسان إلى الجار—all بالمال.
كذلك، فُطِر الإنسان على حب الحكم والسلطة، ومع ذلك، نهى النبي ﷺ عن سؤال الإمارة.
ومن هذه الأمور أيضًا: العجلة.
العجلة: طبع بشري أصيل
العجلة مذكورة في القرآن الكريم قرابة 37 مرة، مما يدل على أهمية تناولها.
قال تعالى:
﴿خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾
﴿وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولًا﴾
العجلة ليست مجرد عادة، بل جزء من تركيب الإنسان. كل البشر يحبون النتائج السريعة، حتى قال الله عز وجل:
﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾
الناس بطبيعتهم تميل للدنيا، لأنها سريعة النتائج، بينما الآخرة تحتاج صبرًا وعملًا طويل الأمد.
التؤدة: صفة يحبها الله
في المقابل، جاءت السنة النبوية تثني على التأني والرفق والتؤدة.
قال ﷺ في حديث مسلم لوفد عبد القيس، مخاطبًا الأشج:
"إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم، والأنَاة."
وقال أيضًا ﷺ كما في حديث الترمذي:
"السمت الحسن، والتؤدة، والاقتصاد، جزء من أربعة وعشرين جزءًا من النبوة."
العجلة ليست مذمومة على الإطلاق، بل لها مواضع تُمدح فيها، خصوصًا في أعمال الآخرة، كالصلاة في أول وقتها، أو الحج، أو دفع الزكاة في وقتها.
﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾
النبي ﷺ قال:
"الأناة في كل شيء إلا في عمل الآخرة."
العجلة في طلب النصر: قضية عقائدية
من أخطر صور العجلة: استعجال النصر.
الله عز وجل قال:
﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾
تكررت الآية في مواضع متعددة لتأكيد أن النصر ليس بيد أحد، حتى النبي ﷺ.
في حديث خباب بن الأرت، كما في البخاري، غضب النبي ﷺ لما استعجل الصحابة النصر، وقال:
"ولكنكم تستعجلون."
هذا ليس ذمًّا لحب النصر، بل تنبيه أن استعجاله نقص في اليقين بصفات الله: كالحكمة، والرحمة، واللطف.
لا تستعجل هلاك الظالمين
كذلك، من صور العجلة المذمومة: استعجال هلاك الظالمين.
قال الله عز وجل:
﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾
النبي ﷺ قال كما في البخاري:
"إن الله ليملي للظالم، فإذا أخذه لم يفلته."
وتخيل لو استجاب الله لدعاء المسلمين في غزوة أحد بهلاك رؤوس الظلم... لَمَا أسلم خالد بن الوليد، أو عكرمة، أو صفوان، أو أبو سفيان، ولما صاروا من أعلام الإسلام فيما بعد.
العجلة في طلب الهداية
من صور العجلة الخطيرة: استعجال هداية الناس.
حتى النبي ﷺ لم يكن يملك هداية من أحب، كما قال الله له:
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾
عاتب الله نبيه يونس عليه السلام لأنه تعجل في الخروج من قومه.
وقال لنبيه محمد ﷺ:
﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾
بل حينما جاء الطفيل بن عمرو الدوسي يطلب من النبي ﷺ أن يدعو على قومه، قال له النبي بدعاء عظيم:
"اللهم اهد دوسًا، وائت بهم."
صور العجلة في حياتنا اليومية
العجلة لها صور كثيرة:
-
العجلة في إصدار الأحكام
-
العجلة في اتخاذ القرار
-
العجلة في نقل الأخبار دون تثبت
-
العجلة في ترك طريق الدعوة بسبب بطء النتائج
وكل هذه الصور مذمومة، وخطيرة.
خاتمة
قال ﷺ في حديث الترمذي:
"الأناة من الله، والعجلة من الشيطان."
فلنحذر من هذه الآفة التي قد تُظهر خللًا في إيماننا بصفات الله، ولنكن راضين بقضائه، موقنين بحكمته، مؤدبين في دعائنا وتعاملنا مع أقداره.

0 تعليقات